يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
181
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
التديّن آثار في تنمية ملكاته وإرهاف مشاعره وذوقه وعاطفته ووجدانه ، مما يساعد على تكوين ملكات الشعر ومواهبه . وكانت بيئة الحيرة المتحضّرة ومشاهدها ؛ وكثرة رحلاته في البلاد ، واتصاله بالملوك وخبرته الواسعة ، وذكاؤه العجيب ، باعثا على تقوية خياله وكثرة معانيه ، وسهولة أساليبه في الشعر . ولقد سمع عديّ وهو صغير الشعراء في الحيرة ؛ ينشدون ملوكها الشعر الجيد ؛ والمدائح العالية والقصائد المحبّرة كالنابغة ، وحسّان ، وعلقمة ، والأعشى ، والمتلمس وطرفة وسواهم . فغذّى ذلك الجوّ الأدبي شاعريته وأيقظ فطرته الأدبية ؛ ونشأه على الشعر ونظمه : وكانت المنافسات الأدبية ، ورغبته الحافزة في التفوق على أقرانه وفي استدامة نفوذه وجاهه الذين كانا له ؛ مما يدفعه إلى قوله الشعر والإجادة فيه . . . إلى غير ذلك من بواعث شاعريته وأسبابها . - 2 - [ يمتاز شعر عديّ بكثرة المعاني و . . . ] ويمتاز شعر عديّ بكثرة المعاني وتنوّعها ودقّتها مع الوضوح والصدق ؛ ولعلّ هذه الكثرة راجعة إلى أثر حياته وبيئته وثقافته في شعره . . . والحكمة والتجربة الصادقة تشيعان في معانيه . وخياله خيال غذّي بالحضارة ؛ فقلّت صور البادية وأثرها فيه وفي شعره وتكثر فيه الصور العقلية وتقلّ الصور المادية في شعره ، ومن ثم اتكأ خياله على العقل والفطنة لا على المحسّات والمشاهدات المادية . وهو مقتصد في تشبيهاته ومجازاته . ويمتاز أسلوبه بشيوع الرقّة والسهولة ، وعدم ظهور الجزالة ووضوحها فيه . ويرجع ذلك إلى بيئته الحضرية التي عاش فيها وهي بيئة الحيرة ، وإلى كثرة إقامته بالمدائن ، ورحلاته إلى بلاد الشام وسواها ، مما أشاع في شعره السهولة ، ولذلك كثر الغناء به ، وقد كانت هذه السهولة مدعاة إلى اللين ، مما عابه النقّاد عليه ، حتى قال ابن سلّام فيه : « وعديّ كان يسكن الحيرة ويراكز الريف ، فلان لسانه ، وسهل منطقه ، فحمل عليه شيء كثير ، وتخليصه شديد ، واضطرب فيه خلف ، وخلط فيه المفضل